اتصل بنا فتاوي فرق مخالفة بدع مخالفة صوتيات توحيد الأسماء والصفات توحيد الألوهية توحيد الربوبية أقسام التوحيد تعريف التوحيد كتاب التوحيد كتاب التوحيد











ألفاظ مخالفة في التوحيد


قول عند ختم الدعاء إن الله على ما يشاء قدير ؟

 

سئل فضيلة الشيخ محمد العثيمين – رحمه الله تعالى -: عن قول الإنسان : " إن الله على ما يشاء قدير " عند ختم الدعاء ونحوه ؟
 
فأجاب بقوله : هذا لاينبغي لوجوه :
الأول :أن الله تعالى إذا ذكر وصف نفسه بالقدرة لم يقيد ذلك بالمشيئة في قوله تعالى : } وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ . وقوله تعالى : } أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ . وقوله : } َلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ {. فعمم في القدرة كما عمم في الملك وقوله تعالى : } وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{. فعمم في الملك والقدرة , وخص الخلق بالمشيئة ؛ لأن الخلق فعل , والفعل لا يكون إلا بالمشيئة , أما القدرة فصفة أزلية أبدية شاملة لما شاء الله وما لم يشأه , لكن ما شاء الله سبحانه وقع وما لم يشأه لم يقع والآيات في ذلك كثيرة.
 
الثاني : أن تقييد القدرة بالمشيئة خلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم , وأتباعه فقد قال الله عنهم : } يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيِهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتَممْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {. ولم يقولوا "إنك على ما تشاء قدير" وخير الطريق طريق الأنبياء وأتباعهم فإنهم أهدى علماً وأقوم عملاً.
 
الثالث : أن تقييد القدرة بالمشيئة يوهم اختصاصها بما يشاؤه الله تعالى فقط لاسيما وأن ذلك التقييد يئتى به في الغالب سابقاً حيث قال : "على ما يشاء قدير" وتقديم المعمول يفيد الحصر كما يعلم ذلك في التقرير علماء البلاغة وشواهده من الكتاب والسنة واللغة , وإذا خصت قدرة الله تعالى بما يشاؤه كان ذلك نقصاً في مدلولها وقصراً لها عن عمومها فتكون قدرة الله تعالى ناقصة حيث انحصرت فيما يشاؤه , وهو خلاف الواقع فإن قدرة الله تعالى عامة فيها يشاؤه وما لم يشأه , لكن ما شاءه فلابد من وقوعه , وما لم يشأه فلا يمكن وقوعه .
 
فإذا تبين أن وصف الله تعالى بالقدرة لا يقيد بالمشيئة , بل يطلق كما أطلقه الله تعالى لنفسه فإن ذلك لا يعارضه قول الله تعالى : }وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ{ فإن المقيد هنا بالمشيئة هو الجمع لا القدرة , والجمع فعل لا يقع إلا بالمشيئة ولذلك قيد بها فمعنى الآية : أن الله تعالى قادر على جمعهم متى شاء وليس بعاجز عنه كما يدعيه من ينكره , وقيده بالمشيئة رد لقول المشركين الذين قال الله تعالى عنهم : }وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ{ فلما طلبوا الإتيان بآبائهم تحدياً وإنكاراً لما يجب الإيمان به من البعث , بين الله تعالى أن ذلك الجمع الكائن في يوم القيامة لا يقع إلا بمشيئته ولا يوجب وقوعه تحدي هؤلاء وإنكارهم كما قال الله تعالى : } زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ { , والحاصل أن قوله تعالى : }وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ{ . لا يعارض ما قررناه من قبل , لأن القيد بالمشيئة ليس عائداً إلى القدرة ةإنما يعود إلى الجمع .
 
وكذلك لا يعارضه ما ثبت في صحيح مسلم في كتاب " الإيمان" في "باب آخر أهل النار خروجاً" من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " آخر من يدخل الجنة رجل" فذكر الحديث وفيه الله تعالى قال للرجل : "إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر" وذلك لأن القدرة في هذا الحديث ذكرت لتقرير أمر واقع و الأمر هي لا يكون إلا بعد المشيئة , وليس المراد بها ذكر الصفة المطلقة التي هي وصف الله تعالى أزلاً وأبداً , ولذلك عبر عنها باسم الفاعل "قادر" دون الصفة المشبهة "قدير" وعلى هذا فإذا وقع أمر عظيم يسغربه المرء أو يستبعده فقيل له في تقريره : "إن الله على ما يشاء قادر" فلا حرج في ذلك , وما زال الناس يعبرون بمثل هذا في مثل ذلك , فإذا وقع أمر عظيم يستغرب أو يستبعد قالوا قادر على ما يشاء.
 
فيجب أن يعرف الفرق بين ذكر القدرة على أنها صفة لله تعالى فلا تقيد بالمشيئة , وبين ذكرها لتقرير أمر واقع فلا مانع من تقييدها بالمشيئة , والقدرة هنا ذكرت لإثبات ذلك الواقع وتقرير وقوعه , والله سبحانه أعلم.

 
المصدر : كتاب فتاوى فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين في العقيدة 2-2 ص 1454.