اتصل بنا فتاوي فرق مخالفة بدع مخالفة صوتيات توحيد الأسماء والصفات توحيد الألوهية توحيد الربوبية أقسام التوحيد تعريف التوحيد كتاب التوحيد كتاب التوحيد









بدع مخالفة


بدع الحج ( بدعة التعريف )

مشاهدة المواد المرتبطة


المراد بالتعريف :
هو اجتماع غير الحاج في المساجد عشية يوم عرفة ، في غير عرفة ، يفعلون ما يفعله الحاج يوم عرفة من الدعاء والثناء  .
وأول من جمع الناس يوم عرفة في المساجد هو ابن عباس – رضي الله عنهما - ، وذلك في مسجد البصرة .
وقيل إن أول من عرف بالكوفة  مصعب بن الزبير .
قال ابن كثير – رحمه الله – في ترجمة ابن عباس – رضي الله عنهما -: ( وهو أول من عرف بالناس في البصرة ، فكان يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل البصرة حوله ، فيفسر شيئاً من القرآن ، ويذكر الناس ، من بعد العصر إلى الغروب ، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب )ا.هـ  .

حكم التعريف :
اختلف العلماء في حكم التعرف في المساجد يوم عرفة :
1- قال ابن وهب: ( سألت مالكاً عن الجلوس يوم عرفة ، يجلس أهل البلد في مسجدهم ، ويدعو الإمام رجالاً يدعون الله تعالى للناس إلى الشمس فقال : ما نعرف هذا ، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه )ا.هـ  .
قال ابن وهب – أيضاً - : ( وسمعت مالكاً يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر ، واجتماعهم للدعاء، فقال : ليس هذا من أمر الناس ، وإنَّما مفاتيح هذه الأشياء من البدع )ا.هـ  .

وقال مالك – أيضاً - : ( وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء فلينصرف، ومقامه في منزل أحب إليَّ ، فإذا حضرت الصلاة رجع فصلى في المسجد)ا.هـ  .
وروى ابن وضاح عن أبي حفص المدني قال: اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر ، فقال : أيها الناس إن الذي إن الذي أنتم عليه بدعة ، وليست بسنة ، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا ، ثم رجع فلم يجلس ، ثم خرج الثانية ففعل مثلها ثم رجع )ا.هـ  .
وروى أيضاً عن ابن عون قال:(شهدت إبراهيم النخعي سُئلَ عن اجتماع الناس عشية عرفة، فكرهه، وقال: محدث) ا.هـ .
وروى أيضاً عن سفيان قال : (ليست عرفة إلا بمكة ، ليس في هذه الأمصار عرفة ) ا.هـ  .

وقال الحارث بن مسكين : (كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة ، فلا يرجع إلى قرب المغرب )ا.هـ  .
قال الطرطوشي : فاعلموا- رحمكم الله – أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة، لا في غيرها ولا منعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى ، وإنما كرهوا الحوادث في الدين ، وأن يظن العوام أن من سنَّة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء ، فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه .
وقد كنت ببيت المقدس ، فإذا كان يوم عرفة حشر أهل السواد وكثير من أهل البلد ، فيقفون في المسجد ، مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم بالدعاء، كأنه موطن عرفة ، وكنت أسمع سماعاً فاشياً منهم أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات ، فإنها تعدل حجَّة ، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام )ا.هـ .
وروى البيهقي عن شعبة قال : سألت الحكم وحماداً عن اجتماع الناس يوم عرف في المساجد فقالا : ( هو محدث )  .
وروى كذلك عن إبراهيم – النخعي – قال : ( هو محدث ) .
2- وقال أبو شامة : فإن ابن عباس -رضي الله عنهما- حضرته نية فقعد فدعا، وكذلك الحسن من غير قصد الجمعية، ومضاهاة لأهل عرفة ، وإيهام العوام أن هذا شعار من شعائر الدين المنكر ، إنَّما هو ما اتَّصف بذلك -والله أعلم- أن تعريف ابن عباس قد صار على صورة أخرى غير مستنكر .
ذكر ابن قتيبة في غريبه قال في حديث ابن عباس أن الحسن ذكره فقال : كان أول من عرف بالبصرة صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران وفسَّرهما حرفاً حرفاً . قلت : - والقول لأبي شامة - : فتعريف ابن عباس – رضي الله عنهما – كان على هذا الوجه فسَّر للناس القرآن ، فإنما اجتمعوا لاستماع العلم ، وكان ذلك عشية عرفة ، فقيل عرَّف ابن عباس بالبصرة ، لاجتماع الناس له كاجتماعهم بالموقف .

وعلى الجملة : (فأمر التعريف قريب إلا إذا جرَّ مفسدة ، كما ذكره الطرطوشي في التعريف ببيت المقدس )ا.هـ  .
قال ابن قدامة :
(قال القاضي : ولا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار ، وقال الأثرم : سألت أبا عبد الله عن التعريف في الأمصار ، يجتمعون في المساجد يوم عرفة. قال : أرجو أن لا يكون به بأس ، قد فعله غير واحد .

 قال أحمد – رحمه الله - : لا بأس به ،إنما هو دعاء وذكر الله ، فقيل له : تفعله أنت ؟ قال : أما أنا فلا ) ا.هـ .
وقد تعقب الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رواية الأثرم عن الإمام أحمد – رحمهم الله – بقوله : (وحينئذ الراجح هو عدم فعله ؛ لأنَّ هذه عبادة اختصت بمكان وهو عرفة ، ولا يلحق غيره به ، فإلحاق مكان بمكان في عبادة ، زيادة في الشرع ، فالذي عليه العمل أنه بدعة )ا.هـ  .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : ( ومن هذا – المتابعة في السنَّة – وضع ابن عمر يده مقعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة ، فإن هذا لما لم يكن مما فعله سائر الصحابة ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم شرعه لأمته ، لم يمكن أن يُقال هذا سنَّة مستحبة ، بل غايته أن يًُقال : هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة ، أو مما لا ينكر علي فاعله ؛ لأنَّه مما يسوغ فيه الاجتهاد ، لا لأنه سنة مستحبة سنها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته . أو يقال في التعريف : إنه لا بأس به أحياناً لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة .

وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله : تارة يكرهونه ، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد ، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة ، ولا يقول عالم بالسنة : إن هذه سنة مشروعة للمسلمين ، فإن ذلك إنَّما يقال فيما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ      ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع ، وما سنَّة خلفاؤه الراشدون ، فإنما سنُّوه بأمره ، فهو من سننه .... )ا.هـ  .
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أن المداومة في الجماعات على غير السنن المشروعة بدعة : كالأذان في العيدين، والقنوت في الصلوات الخمس أو البردين منها ، والتعريف المداوم عليه في الأمصار .... فإن مضاهاة غير المسنون بالمسنون بدعة مكروهة ، كما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة والآثار والقياس ) .

وقال -أيضاً-: ( فصل: وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العلمي المحدث ، العيد المكاني، فيغلظ قبح هذا ، ويصير خروجاً عن الشريعة ، فمن ذلك : ما يفعل يوم عرفة مما لا أعلم بين المسلمين خلافاً في النهي عنه، وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة ، والاجتماع العظيم عند قبره ، كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب ، والتعريف هناك كما يفعل في عرفات، فإن هذا النوع من الحج المبتدع الذي لم يشرعه الله ،ومضاهاة للحج الذي شرعه الله ، واتخاذ القبور أعياداً .

وكذلك السفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه ، فإن هذا أيضاً ضلال بيِّن ، فإن زيادة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف ،وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس ، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على غيره .
    ثم فيه أيضاً مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيه له بالكعبة، ولهذا أفضى إلى ما لا يشك مسلم في إنه شريعة أخرى، غير شريعة الإسلام ، وهو ما قد يفعله بعض الضلاَّل من الطواف بالصخرة ، أو من حلق الرأس هناك أو من قصد النسك هناك ، وكذلك ما يفعله بعض الضلال من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة  ، كما يُطاف بالكعبة .

فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء، أو الضرب بالدف بالمسجد الأقصى ونحوه، فمن أقبح المنكرات من جهات أخرى، منها :
• فعل ذلك في المسجد ،فإن ذلك فيه ما نهي عنه خارج المساجد ، فكيف بالمسجد الأقصى!!!.
• ومنها : اتخاذ الباطل ديناَ .
• ومنها : فعله في الموسم . 
فأما قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر ، فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف العلماء فيه ففعله ابن عباس ، وعمرو بن حريث من الصحابة ، وطائفة من البصريين والمدنيين ، ورخص فيه أحمد – وإن كان مع ذلك لا يستحبه- . هذا هو المشهور عنه ، وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين ، كإبراهيم النخعي ، وأبي حنيفة ، ومالك ..... وغيرهم .
ومن كرهه قال : هو من البدع ، فيندرج في العموم لفظاً ومعنى . ومن رخَّص فيه قال : فعله ابن عباس بالبصرة ، حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، ولم ينكر عليه ، وما يفعله في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار، لا يكون بدعة، لكن ما يُزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في المساجد بالدعاء ،وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة ، مكروه في هذا اليوم وغيره .

والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه ، وتلك التعريفات التي لم يختلف فيها : أنَّ في تلك قصد بقعة بعينها للتعريف فيها، كقبر الصالح ، أو كالمسجد الأقصى ، وهذا تشبيه بعرفات ، بخلاف مسجد المصر  ، فإنه قصد له بنوعه لا بعينه ، ونوع المساجد مما شرع قصدها ، فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده مكاناً معيناً لا يتبدل اسمه وحكمه ، وإنما الغرض بيت من بيوت الله ، بحيث لو حوِّل ذلك المسجد لتحوَّل حكمه ، ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا بخصوصه .
وأيضاً ، فإنَّ شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه ، مثل الحج ، بخلاف المصر .

ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تُشدًّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا ))  .هذا مما لا أعلم فيه خلافاً .
فقد نهى النبي صلى اله عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة ، ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره إما واجب كالجمعة ، وإما مستحب كالاعتكاف فيه .
وأيضاً ، فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيداً ، وهذا بنفسه محرم ، سواء كان فيه شد للرحل أو لم يكن ، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره ، وهو من الأعياد المكانية مع الزمانية )ا.هـ  .
فمما تقدَّم يتضح لي – والله أعلم – أن التعريف نوعان :
الأول : اتفق العلماء على كراهته ، وكونه بدعة وأمراً باطلاً ، وهو الاجتماع في يوم عرفة عند القبور ، أو تخصيص بقعة بعينها للتعريف فيها كالمسجد الأقصى ، وتشبيه هذه الأماكن بعرفات ؛ لأنَّ ذلك يعتبر حجاً مبتدعاً ، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله ، واتخاذاً للقبور أعياداً ، حتى وصل بهم الأمر إلى أن زعموا أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات فإنها تعدل حجة ثم يجعلون ذلك ذريعة إلى إسقاط الحج إلى بيت الله الحرام ، كما ذكر ذلك الطرطوشي في كتابه (( الحوادث والبدع ))  . وهذا هو النوع الذي قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : ( لا أعلم بين المسلمين خلافاً في النهي عنه ) ا.هـ  .

الثاني : ما اختلف العلماء فيه ، وهو قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر . فقال بعضهم : محدث وبدعة . وقال بعضهم : لا بأس به .
والذي يترجح عندي – والله أعلم – أن قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر : بدعة.
وأما من رخص فيه ؛ مستنداً إلى فعل ابن عباس له ، وغيره من الصحابة والتابعين ، فيمكن الجواب عن ذلك من وجهين :
* الأول: أن فعل الصحابي لا يقوى على معارضة النصوص الصريحة ، التي ورد فيها النهي عن الإحداث في الدين ، وهي كثيرة، منها :
قوله صلى الله عليه وسلم : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) . وقوله- عليه الصلاة والسلام - : (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )) . وقوله صلى الله عليه وسلم : (( وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ..))  ...إلى غير ذلك من النصوص الثابتة التي صرحت بالنهي عن الإحداث في الدين .
* الثاني : أنه لم يكن قصد ابن عباس – والله أعلم – أن يجتمع الناس للدعاء والاستغفار ، مضاهاة لأهل عرفة ، وأن ذلك من شعائر الدين ، كما بيَّن ذلك أبو شامة في كتابه ((الباعث)) . وإنَّما كان اجتماع الناس لسماع تفسيره للقرآن ، لاسيما وهو أعلم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتأويل بعد نبيها عليه الصلاة والسلام ، فلم يرد أنهم اجتمعوا للدعاء والاستغفار .

وكذلك لم يرد -حسب اطلاعي المحدود- أن ابن عباس -رضي الله عنهما-كرر هذا الفعل مرة أخرى . فكيف بمن اتخذ ذلك سنَّة مشروعة ، يفعلونها كل عام !!!.
وقد أشرت آنفاً إلى ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – الذي ورد فيه أن المداومة في الجماعات على غير السنن المشروع بدعة ، ومثل لذلك بالتعريف المداوم عليه في الأمصار – والله أعلم - .

المصدر : كتاب البدع الحولية لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن أحمد التويجري ..

الكتب المحاضرات الفتاوي